التخطي إلى المحتوى الرئيسي

. اكسر عنق الزجاجة





اكسر عنق الزجاجة


م. سامي بن عيد

‏4‏ جمادى الثانية‏، 1436هـ




 
عنق الزجاجة هي خطوة في العملية تحد من حجمها وسرعتها ويمكن التعامل معها لتحسينها. غالبا ما يكون ذلك نتيجة التخصص ، أو عدم توازن المهمة أو غيرها من القيود على القدرات تسبب اختناقات تقيد وتحد من قدرة تدفق العملية  لتتناسب مع معدل الطلب من العملاء .
 عنق الزجاجة قد يكون  إجراءً معقداً أو قيداً أو موظفاً ذا تخصص معين تمر من خلاله مجموعة من الإجراءات تؤخرسرعة تدفق العمليات ، وبغض النظر عن موقع عنق الزجاجة في العملية سوف تسير العملية حسب قدرة وحجم اتساع عنق الزجاجة مهما كانت سرعة وحجم العمليات قبلها أو بعدها.(انظر الشكل1)


  في عمليات التحسين المستمر يتم  دراسة العمليات وتحديد ما يُشكّل عنق الزجاجة ويسبب اختناقات تحد من تدفق العمليات ، ويتم تقديم حلول عملية مناسبة تضمن انسياب العمليات في جميع مراحلها بنفس السرعة والحجم المطلوب ليتناسب مع معدل الطلب. هذه الحلول قد تكون على سبيل المثال تدريب الموظفين لرفع قدراتهم وتمكينهم أو تفويضهم بمسؤوليات مناسبة ،أو زيادة في أعداد المتخصصين منهم ،أو تبسيط الإجراءات وأتمتة العمليات.(انظر الشكل 2)



   وتعْظُم المشكلة إذا كان المدير مركزياً في عمله ، بحيث يكون هو نفسه من يُشكّل عنق الزجاجة في المنظومة، حيث ترتبط جميع العمليات الصغيرة والكبيرة بهذا المدير، فتصبح قدرة المنظومة وسرعة سيرها محدودة تعادل قدرة المدير وسرعته.
  إن من أسباب مركزية المدير رغبته في السيطرة على كل شاردة وواردة في المنظومة التي يديرها ، وذلك في الغالب نتيجة عدم ثقته في موظفيه.
وبالرغم من الضغط الكبير الذي يعاني منه هذا المدير بسبب مركزيته وتعطيل كثير من العمليات إلا أن البعض منهم يصر على مركزيته بل يفتخر بذلك.
في عالمنا العربي من يجرؤ أن يبين للمدير أنه مركزي ويلمح له بذلك ، أحد هؤلاء المدراء كان يتدخل في العلاقات الشخصية بين موظفيه خارج العمل بل تؤثر هذه العلاقات على نتائج تقييم الأداء لموظفيه.
والسؤال المهم أخي المدير أو الموظف أياً كان موقعك في المنظومة التي تعمل بها هل تشكل أنت عنق الزجاجة فتسبب اختناقات في تدفق العمليات بها ؟
إذا كان يصعب عليك الحصول على إجازة بسهولة ، أو يتم باستمرار استدعائك للعمل وقطع إجازتك أو الاتصال عليك كثيرا لمعرفة بعض الإجراءات أثناء تمتعك بالإجازة أو مهمة عمل أو تدريب ، أو تجد كماً هائلا من المعاملات المتعطلة بانتظارك فور عودتك للعمل، فأنت تشكل عنق زجاجة في المنظومة التي تعمل بها.

  أحياناً يصنع المدير من أحد الموظفين لديه عنق زجاجة، وذلك بسبب ثقته الشخصية الزائدة في هذا الموظف وقدراته ، أو بسبب انشغال هذا المدير أو إهماله للعمل ، فيوكل كثير من أمور المنظومة إلى هذا الموظف ، فهذا الموظف عضو في كل اللجان أو معظمها ، وهو المستشار الخاص للمدير في كثير من الأمور، سواء كانت من ضمن تخصصه أم لا. هذا المدير وضع نفسه تحت رحمة وسيطرة هذا الموظف دون أن يعلم ، حيث اصبح من الصعب عليه الاستغناء عن خدماته لأن أغلب مفاتيح العمل في يد هذا الموظف يدير بها الأمور كيفما شاء ومتى شاء ، فلا تتعجب من المكانة والمميزات الخاصة التي يتمتع بها هذا الموظف ، لأنه في الحقيقة هو السيد المطاع ، وسيقع هذا المدير في ورطة عندما يغادر هذا الموظف العمل لأي سبب كان ، وسيكتشف المدير هذه الحقيقة لاحقاً لكن بعد فوات الأوان ، وعندها سيكون التغيير صعباً ومكلفاً جداً.

   أثناء دراستي الجامعية ، حصلت على تدريب صيفي في أحد المصانع القديمة ، كان ذلك قبل حوالي 23 سنة مضت ، كان في هذا المصنع فني صيانة قديم  اسمه سيد يعمل في المصنع منذ بداية إنشاءه قبل سبعة عشر عاماً حتى أصبح مشرفاً للصيانة الكهربائية ، وكان سيد يملك مفاتيح أسرار العمل وذو نفوذ ويسيطر على كثير من الأمور ويتجاوز كثيراً رئيسه في العمل.
  في بداية فترة تدريبي كان سيد يتمتع في إجازة سنوية في بلده ولسوء الحظ تعطلت إحدى آلات الانتاج ، لم يتمكن أحد من المهندسين من إصلاح المشكلة حتى رئيس القسم نفسه، فتعطل جزء من الانتاج ، ولحسن الحظ كان موعد عودة سيد من الإجازة قريباً فبقيت الآلة  متعطلة حتى عاد سيد من إجازته. فور وصوله للمصنع تمكن سيد من إصلاح المشكلة خلال ساعات!
 أحد الفنيين القدامى الذين يعملون تحت إشراف الفني سيد أخبرني أن هذه المشكلة تكررت عدة مرات ، وفي أحدى المرات توقف جزء كبير من انتاج المصنع وكان سيد آنذاك خارج المملكة في إجازة ، فاستدعى أحد ملاك المصنع وكيل الشركة الصانعة لإصلاح العطل ، فلم تتمكن الشركة من إصلاح العطل ، فتم الاتصال على الفني سيد في بلده وطُلب منه قطع إجازته والقدوم فوراً لحل المشكلة ، وبالفعل عاد سيد من إجازته وتمكن من إصلاح العطل. والسر في ذلك أن الرسومات الفنية لا تتطابق مع الواقع ، ولا يعرف هذا الاختلافات إلا الفني سيد! بعد ذلك بسنوات سنحت فرصة للمصنع لكسر عنق الزجاجة ، وذلك بعد إنشاء مصنع جديد  تم إنشاءه في موقع آخر ، وجميع خطوط انتاجه مؤتمتة وبتقنيات حديثة.وتم تدريب عدد كبير من المهندسين والفنيين على الأنظمة الحديثة.

بادر إلى اكتشاف أعناق الزجاجات التي تعيق العمل الذي تشرف عليه وأعمل على كسرها بطريقة احترافية.

ودمتم بخير ،،

تعليقات


  1. أبو البراء أنت مبدع ما شاء الله بالقصص والمقالات ،، ننتظر منك إصدار سلسلة قابلة للنشر ،،

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انْتَقِ ما يليق بك

. انْتَقِ ما يليق بك   -  سامي بن عيد 21 شوال 1441هـ  قد يكون من حقك الغضب والانتقام لكن الذي يليق بك كظم الغيظ والعفو، قال تعالى { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [1]   ومن حقك كشف حقيقة البعض لكن الذي يليق بك الستر وحفظ ماء وجوههم.   قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سَتِيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ) [2] جاء رجل اسمه هزال بماعز الأسلمي ليقام عليه الحد في الزنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل:  (لو سترته بثوبك كان خيرا لك) [3]  ومن حقك أن تمسك مالك عن بذله للبعض لأسباب مقنعه، لكن يليق بك العطاء والكرم والسخاء. {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [4] ومن حقك أن تحاسب وتقاضي ذوي رحمك أو أصدقاءك في حق لك، لكن يليق بك أن...

بوح تأخر كثيراً

  بوح تأخر كثيراً                                                                                                     بقلم سامي بن عيد                                                                                                                          ٢ جمادى الآخرة ١٤٤٣ أب حنون ... ابن بار ...  أحب إخوتي إلى قلبي ما زالت أسمع صوته الحنون يخاطب قلبي قبل أذني.. كان نعم الجار الطيب..  وجهه بشوش ... صاحب فضل وعلم ... كثير البذ...

دثار أبي

.  دثار أبي ( كلمات لم أستطع أن أبوح بها لوالدي هيبة منه ) عندما أعود بذاكرتي إلى أيام الطفولة، أتذكر البرد القارص للشتاء في بلدة الكرك ، كان ذلك في بداية السبعينيات الميلادية. في منتصف غرفة الجلوس في بيتنا كانت هناك مدفأة تعمل بالكاز ، والأرض مفروشة بسجاد وفوق السجاد تم وضع قطع من فرو الأغنام والتي تسمى بالجاعد. كان والدي حفظه الله في أغلب أمسيات تلك الأيام الباردة يرتدي فروة طفيلية وهي عبارة عن دثار مبطن بفرو صغار الأغنام. أسعد لحظات حياتي في تلك الساعات عندما يضمني والدي تحت جناحه ويدخلني تحت دثاره. عندها أشعر بدفء في جسدي الصغير ودفء من نوع آخر هو دفء حنانه ومشاعره. كان يطلق علي أسماء مختلفة مرة يدعوني بمعن ومرة مجاهد وغيرها من الأسماء المختلفة التي تشعرني بالأمان والتميز والسعادة الغامرة. وكلما مرت الأيام والسنون أكتشف أكثر أن دثار أبي يضم تحته الكثير والكثير من الأسر والأرحام والارامل والايتام والفقراء والمحتاجين، يساعد هذا ويضمد جراح هذا، ويمد يد العون لآخرين ، يساعد أحدهم في مشروعه الصغير ، ويقرض آخر ليشتري أرضا أو يبني بيتا ، بل وقف بنفسه على بناء عدد من...